لا يخفى أن موضوع هذه القمة يمس مانطمح إليه من رفاه وحياة لائقة لشعوبنا مساسا مباشرا . ولذا نجد التنمية من أولوياتنا وتقع في صميم مشاغلنا في الحوار الدائر حول التعاون الدولي لأننا لن نستطيع دون النمو والتنمية ان نستجيب لتطلعات شعوبنا .
تقتضي الضرورة إذا أن نتعامل مع ثلاث مجموعات من المشاغل تتعلق الأولى منها بالحالة الراهنة للتعاون الاقتصادي الدولي ، والثانية بإسهاماتنا في هذا التعاون المتبادل على مستوى بلدان الجنوب ، وترتكز المجموعة الثالثة ، وهي الأكثر استراتيجيه في بطبيعتها على إيجاد موقع جديد للجنوب في عالم اليوم .
الشراكة من اجل التنمية :
شاركت البلدان النامية مشاركه نشطه في مجموعه من المؤتمرات الرئيسية ومؤتمرات القمة التي عقدتها الأمم المتحدة خلال التسعينيات
غطت جميع جوانب التنمية الإقتصاديه والإجتماعيه . فقد تناولت المؤتمرات موضوع التنمية الإجتماعيه والسكان والمرأة والأطفال وناقشت مؤخرا موضوع التمويل من أجل التنمية المستدامة وسيليها في القريب العاجل موضوع التكنولوجيا والمعلومات والإيصالات ، وانطلقت من خارج إطار الأمم المتحدة جولة الدوحة .
ولقد قطع شركاؤنا في التنمية على أنفسهم في بعض هذه المحافل تعهدات وتم الوصول إلى اتفاقيات، ثم جاء إعلان الألفية في نهاية القرن الماضي ليجسد الجوانب الرئيسية من تلك التعهدات، ونفذ الجنوب ما كان مطلوباً منه.
لقد كنا في عهدنا أوفياء ، إذ استجبنا للدعوة إلى تحرير اقتصادياتنا وجعلنا الالتزامات التي قطعت في النواحي الإجتماعيه جزءاً من استراتيجياتنا الإنمائية الوطنية ، وحسنا إدارة اقتصادياتنا بما ينسجم مع تعهدات التي أخذناها على عاتقنا .
السؤال الذي يجب إن نطرحه الآن هو هل أوفى شركاؤنا بعهدهم تجاه هذه الصفحة لو كنا سنحكم على الأمر في ضوء المناقشات المكثفة التي جرت في نيويورك أثناء التحضير لاستعراض تنفيذ إعلان الألفية لجاء الرد بالنفي ، إذ أن لفوائد العولمة وجه واحد كان يمين دوماً نحو البلدان المتقدمة النمو ، ولا تتحقق بعد عملية الاندماج الفعلية والمفيدة للبلدان النامية في التجارة الدولية وفي الاقتصاد العالمي بشكل عام ، في حين أثارت مفاوضات منظمة التجارة العالمية الكثير من التوقعات ظل محتواها الإنمائي المنتظر غير واضح .
ويبقى الدين عبئاً رئيسياً يثقل كاهل العديد من البلدان المنخفضة ومتوسطة الدخل. وعلى الرغم من العديد من المبادرات لم يلح في الأفق أي حل بعد ، ولم تفِ إلا قلة من الدول في الالتزام الذي دعي الدول المتقدمة النمو قبل سنوات عديدة إلى تخصيص 0.7 % من نتاجها المحلي الإجمالي للمساعدة الإنمائية الرسمية . كما اتسم تنفيذ البرامج التي وضعت لصالح البلدان التي تواجه أوضاعا خاصة بالبطء الشديد، وتحديدا تلك الواقع في إفريقيا، ولصالح البلدان الأقل نمواً وللبلدان النامية غير الساحلية والبلدان النامية الجذرية الصغيرة.
وفضلاً عن ذلك لن تتحقق عملية إشراك البلدان النامية في عملية صنع القرار على المستوى الدولي، إذ يكاد لا يذكر وزن البلدان النامية في القرارات حول السياسات المالية والنقدية والتجارية. والأكثر من ذلك أننا نشهد الآن محاولات لتفويض دول الأمم المتحدة في القضايا الاقتصادية الرئيسية على الرغم من سجل انجازاتها المتين خلال العقد الماضي .
من أجل هذه الأسباب مجتمعه ، يتعين علينا أن لا نأل جهداً لكي نتوصل إلى اتفاق على جدول إعمال إنمائي حقيقي في القمة التي ستعقدها الجمعية العامة في سبتمبر لاستعراض تنفيذ أحكام إعلان الألفية ومؤتمرات الأمم المتحدة الرئيسية ومؤتمرات القمة إذ أن البلدان النامية لا تريد التزامات جديدة بقدر ما تتطلع إلى التنفيذ الفعّال للالتزامات القائمة حالياً .
نحن بحاجة إلى جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات ، وآليات تتيح لنا التحقق من إن الالتزامات التي تعهد بتنفيذها الشركاء التنمويون قد أصبحت حقيقة. كما نحتاج أيضاً للتأكيد على ضرورة توجيه عملية العولمة توجيهاً سليماً يستجيب لقيم الإنسانية ولما تقتضيه العدالة والإنصاف ورفاه الشعوب تحديداً . ولا بد من إعادة مفهوم الاعتماد المتبادل إلى ما كان علية ، إذ لا قدرة لنا على إدارة العولمة ما لم نسلم بالترابط القائم فيها بين الإقتصادات والقطاعات . ونحن بحاجة أيضا إلى التأكد من أن المصالح البلدان النامية قدر روعيت كاملة في القواعد العالمية الاقتصادية والمتعددة الأطراف ، فالإدارة الاقتصادية السليمة تعني إصلاح المؤسسات القائمة لجعل نظم صنع القرار فيها الديمقراطية ومنصفة تمثل الجميع وتستجيب الاحتياجات كافة الدول ، كما نحتاج أيضاً إلى مواصلة بذل الجهود لضمان فاعلية تعددية الأطراف في العلاقات الدولية .
التعاون فيما بين بلدان الجنوب .
يشكل التعاون بين الشمال والجنوب مكوناً رئيسياً من مكونات العلاقات الاقتصادية والدولية ، لكنه ليس المكون الوحيد الذي يعتبر التعاون فيما بين بلدان الجنوب بعداً هاماً آخر لهذهِ العلاقات . هناك أفاق واسعة للتعاون فيما بين بلدان الجنوب يتعين علينا استغلالها ، ولن يكون ذلك بديلاً عن تعددية الأطراف بل تعزيزاً لها ، فهناك أوجه تكامل متعددة بين اقتصادياتنا وتزايد حصتها في التجارة الدولية ، وهناك أيضا فرص الاستثمار المعززة فيما بين بلدان الجنوب . وما هذه جميعاً إلا حجج قوية تدفع في اتجاه تعزيز التضامن فيما بيننا.
كانت قمة الجنوب الأولى الإطار السياسي وخطوط العمل الرئيسية لتعزيز التعاون فيما بين بلدان الجنوب وقد تمت ترجمة الإطار السياسي الذي اعتمد في هافانا وإطار السياسات الذي تمخض عنها إلى صيغة عملية بمناسبة انعقاد المؤتمر رفيع المستوى في مجموعة الـ 77 حول التعاون فيما بين بلدان الجنوب في مراكش بالمملكة المغربية في
ديسمبر 2003 م.
وقد حدد إعلان مراكش للتعاون فيما بين بلدان الجنوب ، وإطار عمل مراكش لتنفيذ مجالات التعاون فيما بين بلدان الجنوب ، هذا المجالات في نواح عديدة ، مما يثبت ، وبرغم الصعاب ، أن هناك أفاقا نستطيع من خلالها إن نوسع نطاق مساعينا المشتركة ونعززها إذا ما توفر العزم . كما يشير استعراض خطة عمل هافانا إلى انه على الرغم من التقدم المحرز ، غير إن التنفيذ الكامل لأحكام الخطة ، يتطلب مزيداً من الجهود لتنفيذ التوصيات المتبقية وهذا يستدعي منه التسريع في عملية التنفيذ الأحكام الحالية والأفكار الجديدة التي ظهرت في هافانا وإثناء العملية التحضيرية في نيويورك . وكما تعلمون طرحت توجهات عديدة من بينها :
• مواصلة توسيع التجارة فيما بين بلدان الجنوب وتوسيع الأسواق بين البلدان النامية .
• إدماج بعد التعاون فيما بين بلدان الجنوب في الإستراتيجيات الإنمائية الوطنية للبلدان النامية.
• تطور التعاون والاندماج الإقليميين ودون الإقليميين .
• التعاون في مجال تطوير القدرات الإنتاجية وزيادة تدفقات الاستثمار بين دول الجنوب .
• التعاون في مجال المواد البشرية والتقنية بما في ذلك مجالات المعلومات والاتصالات .
• بناء الشراكات العريضة القاعدة وذلك من خلال تعزيز الشراكات فيما بين بلدان الجنوب مع إشراك لاعبين آخرين كالقطاع الخاص .
• وضع آليات منهجية للمتابعة من أجل ضمان التنفيذ الفعّال للقرارات.
• تعبئة الدعم العالمي للتعاون فيما بين بلدان الجنوب خاصة لدى المؤسسات الرئيسية متعددة الأطراف كمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ( الأونكتــــاد ) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واللجان الإقليمية .
وقد تم إدراج جميع هذه المقترحات وأضيفت إليها مقترحات أخرى في خطة العمل التي سيتم الاتفاق عليها في الدوحة في موعد لاحق من هذا الأسبوع ، وهي مايقتضي من الواجب أن نترجمها عملاً .
الجنوب وجدول الأعمال العالمي:
إن للجنوب إمكانيات هائلة في العلاقات الدولية .
فقد أكد الإعلان الوزاري الصادر في ســــاو باولــــو بمناسبة الاحتفال بالذكرى الأربعين لتأسيس مجموعة الـ 77 على أن بُعد العلاقات فيما بين بلدان الجنوب أضحى عاملاً حقيقياً في العلاقات الاقتصادية الدوليــــة .
وأثبت الإعلان أيضاً أن الجنوب ماضٍ باضطراد من موقع كان يقف فيهِ على تخوم التجارة العالمية والعلاقات الاقتصادية إلى مركز هذه العلاقات ، فيعكس بذلك تغيرات الحاصلة في الأنماط التقليدية لتقسيم العمل على الصعيد الدولي .
ولا تتحقق هذه التطورات مكاسب اقتصادية فقط بل تعزز التضامن والإنصاف بين الدول وهي بشير خير للتعاون الذي ستعم منافعه على البلدان النامية، تعاون أساسة التضامن والقواعد المنصفة .
هذهِ تغيرات تشكل لنا تحديات وفرصاً في آنٍ واحد معاً ، والأمر متروك للدول النامية لكي تنتهز هذه الفرصة وتحتل موقعها الذي تستحقه في العلاقات الدولية .
وفي الختام أشكركم جميعاً وأتمنى النجاح لنا في مؤتمرنا ولشعوبنا التقدم . |